المقريزي

64

المقفى الكبير

فدعا إلى الصلح ، وكان الشتاء قد هجم عليه ، وهلك أكثر ما معه من الكراع ، وصار معظم أصحابه رجّال [ ة ] بغير خيل ، وقلّت العلوفات عنده واشتدّ وقوع الثلوج [ 366 ب ] . فامتنع هفتكين من إجابته ثمّ أذعن وأنفذ إلى جوهر بجمال . ورحل عن دمشق بعد ما أحرق ما عجز عن حمله من الخزائن والأسلحة . وسار يوم الخميس ثالث جمادى الأولى مجدّا لخوفه أن يدركه القرمطيّ ، فهلك كثير من عسكره لشدّة الثلج ، وأخذ القرمطيّ يسير خلفه من طبريّة إلى الرملة فتحصّن جوهر بزيتون الرملة ، وخرج هفتكين من دمشق ولحق بالقرامطة واجتمعوا على قتال جوهر . فجرت بينهم حروب طويلة شديدة آلت إلى التجاء جوهر إلى عسقلان ، وقد فني معظم عسكره ونهبت أثقاله . فنزل هفتكين عليه وحصره حتى بلغ منه الجهد الشديد ، وغلت عنده الأسعار بعسقلان ، فبلغ قفيز القنح أربعين دينارا ، وتنكّر عليه من معه من الكتاميّين واحتقروه وتنقّصوه وشتموه . وكانوا قبل ذلك قد تخاذلوا ولم يصدقوا في القتال ، وكايدوا القائد جوهرا ، فضاقت بجوهر ومن معه الأرض ولاذ إلى الصلح . فبعث إليه هفتكين : إن أردت الخروج بمن معك فأنا أؤمّنك حتى تنصرف إلى صاحبك . فتعاقدوا على ذلك ، وصالح هفتكين على مال ، وخرج وقد ، علّق هفتكين سيفه على باب عسقلان حتى يخرج جوهر ومن معه من تحت سيفه ، فسار [ 311 ب ] إلى القاهرة ، وقد بلغ العزيز ما هو فيه من الجهد ، فبرز يريد السفر إلى الشام ، فسار معه . وكانت مدّة قتال القرامطة وهفتكين لجوهر على الزيتون ظاهر الرملة وعلى عسقلان سبعة عشر شهرا . فلمّا قدم جوهر على العزيز وبلغه تخاذل الكتاميّين غضب من ذلك غضبا شديدا ، وعذر جوهرا وأظهر أنّه قد تنكّر له وعزله عن الوزارة ، وصيّر مكانه يعقوب بن كلّس . فلمّا فرغ العزيز من قتال هفتكين وعاد إلى القاهرة ، لم يزل جوهر بها إلى أن مات يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت - وقيل بل مات لسبع بقين - من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة . فبعث العزيز باللّه إليه بالحنوط والكفن ، وبعث إليه الأمير منصور ابن العزيز وبعثت إليه السيّدة العزيزيّة أيضا . فكفّن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشي مذهب ، وصلّى عليه العزيز . وكان له من الولد حسين ، وحسن ، وأبو أحمد جعفر . فأمّا الحسين بن جوهر ، فإنّ العزيز خلع عليه وجعله في مرتبة أبيه ، وله ترجمة كبيرة في هذا الكتاب « 1 » . وأمّا حسن ، فإنّه مات بالمغرب وصلّى عليه المعزّ لدين اللّه في سنة ستّين وثلاثمائة . وأمّا أبو أحمد جعفر ، فبعثه أبوه من القاهرة إلى المغرب بهديّته ، وله ترجمة أيضا « 2 » . ولمّا مات جوهر لم يبق شاعر بمصر من أهلها ، ولا طارئ غريب ، إلّا رثاه ووصف ما أثره وما فتحه من البلاد شرقا وغربا . 1103 - جوهر الطواشي [ - 721 ] « 3 » [ 367 أ ] صفيّ الدين ، أحد الخدّام المنصوريّة ، قلاوون .

--> ( 1 ) هي الترجمة رقم 1228 . ( 2 ) لم نجدها في حرف الجيم ، ولعلّ المؤلف خلط بين جعفر بن جوهر ، وجعفر بن الحسين بن جوهر . ( 3 ) السلوك 2 / 234 ؛ النجوم 9 / 252 .